اسماعيل بن محمد القونوي

249

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

بل قيل إنه أهم من جلب النفع ولذلك قدم نفع في النظم الكريم في موضع وقدم ضر فيه في محل آخر وقيل آخر النفع لمراعاة السجع مع لفظ السمع وهذا كما ترى . قوله تعالى : [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 75 إلى 76 ] قالَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ( 75 ) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ( 76 ) قوله : ( قال ) إبراهيم عليه السّلام استئناف ولم يعطف الأقاويل بعضها على بعض تنبيها على أنها أصل على حيالها غير تبع بعضها لبعض والهمزة « 1 » داخلة في المعطوف المحذوف أي ءانتبهتم فعلمتم حال الذين تعبدونه من أنه لا يقدر « 2 » النفع ولا الضر فلا يستحق العبادة ما تعبدونه وما عبده آباؤكم الأقدمون هذا إذا كان ما موصولة أو فعلتم أي شيء تعبدونه إذا كان ما استفهامية . قوله : ( فإن التقدم « 3 » لا يدل على الصحة ولا ينقلب به الباطل حقا ) أشار إلى أن الاستفهام للإنكار التوبيخي حاصله لا يكون منكم تنبه ولا علم ما تعبدونه وأحواله مع أنه بديهي وأما تقدم عبادة آباؤكم الأقدمون فليس بشيء يفيد صحة تلك العبادة فإنها باطلة « 4 » فالتقدم لا ينقلب به الباطل حقا فأنى لكم التمسك بذلك قوله : ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ [ الشعراء : 75 ] يؤيد ما قلنا من أن الأفعال المضارعة هنا للاستمرار لا لحكاية الحال الماضية وصيغة العقلاء هنا لإسناد أفعال العقلاء إليهم إذ السمع والنفع والضر من أفعال العقلاء . قوله تعالى : [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 77 ] فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعالَمِينَ ( 77 ) قوله : ( فإنهم أي هذه الآلهة التي تعبدونها ) فإنهم أي الأصنام عدو لي الفاء جزائية أي إذا ظهر عجزهم فضلا عن استحقاق العبادة فهم عدو لي وكلمة التأكيد للمبالغة في صدق ذلك قال الفاضل المحشي أي فأخبركم وأعلمكم مضمون هذا الكلام ويجوز واللّه قوله : فإن التقدم لا يدل على الصحة ولا ينقلب به الباطل حقا لما أجابوا بجواب المقلدين لآبائهم قال لهم رقوا أمر تقليدكم هذا إلى أقصى غاياته وهي عبادة الأقدمين الأولين من آبائكم فإن التقدم والأولية لا يكون برهانا على الصحة والباطل لا ينقلب حقا بالقدم وما عبادة من عبد هذه الأصنام إلا عبادة أعداء له ومعنى العداوة قوله تعالى : كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا [ مريم : 82 ] من حيث إنهم يتضررون من جهة أصنامهم في جهنم بما يتضرر به الرجل من جهة عدوه أو لأن المغري على عبادتها أعدى عدو الإنسان وهو الشيطان .

--> ( 1 ) أي همزة أفرأيتم . ( 2 ) إشارة إلى أن المنفي عنهم القدرة على النفع والضر . ( 3 ) كأنه أشار إلى وجه وصفهم بالأقدمين . ( 4 ) وضلال قديم لا فائدة في قدمه إلا ظهور بطلانه لأن المعنى كما علمت اتنبهتم وعلمتم أي شيء تعبدونه أنتم ومن قبلكم من آبائكم الأقدمين إذ علة البطلان وهي عدم السمع والنفع والضر مشتركة فأين الفائدة في قدم الباطلة .